محمد متولي الشعراوي
134
تفسير الشعراوي
فالدين يقيد حريتك في الحياة في أن تفعل ولا تفعل . . ومنهج اللّه جاء ليقول لك إفعل كذا ولا تفعل كذا . وكثير من الناس يظن أن ذلك تقييد لحركة حياة المؤمن وأثقال عليه . . لأنه أخذ منه حرية حركته فقيدها . . ان اللّه تبارك وتعالى حين يقول لك لا تفعل . . معناها عند السطحيين أنه ضيق عليك ما تريد أن تفعل . . وحين يقول لك افعل . . معناها يكون قد ضيق عليك في شئ لا تريد أن تفعله . فمثلا : حين يطلب منك الزكاة . . فالزكاة في ظاهرها نقص المال ، وإن كانت في حقيقتها بركة ونماء . . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ( ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد للّه إلا رفعه ) « 1 » . فالحق سبحانه وتعالى إذا قيد حركتك في الحياة . . لا تظن أن هذا تضييق عليك . . بل إن هذا لفائدتك . . لأنه لم يأمرك وحدك ، ولكن الأمر للناس جميعا حين يقول جل جلاله : لا تسرق . . فقد قالها للناس جميعا ولذلك تكون أنت الرابح . . لأنه قيدك وأنت فرد من أن تسرق من غيرك . . ولكنه قيد ملايين الناس من أن يسرقوا منك . . اذن فاللّه لم يضيق عليك ، ولكنه حمى مالك من الناس كل الناس . . قيدك وأنت فرد أن تسرق من مال غيرك ، وقيد ملايين أن يسرقوا من مالك . . فمن الفائز ؟ . . أنت طبعا . . وقوله تعالى : « أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ( المفلحون ) من مادة فلح . . فإذا كانت الأرض صماء فحينما نشقها ونبذرها تعطى محصولا عظيما ، العملية أخذناها أبا عن جد . فالأرض حين تشق وتبذر تعطى محصولا وافرا . . وإذا كانت هذه العملية أخذت أبا عن جد . . يأتي السؤال من الذي علم آدم البذر والزرع ؟ . . نقول علمه اللّه سبحانه وتعالى كما علمه الأسماء . . وكما علمه ما يمكنه به أن يباشر مهمته في الأرض . . والحق جل جلاله لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار حياته وحياة أولاده . . يعلمه على الأقل بدايات . . ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه اللّه من علمه لخلقه . . وبعد ذلك جاءت القرون المتقدمة
--> ( 1 ) رواه أحمد ، ومسلم ، والترمذي عن أبي هريرة .